الاحتضار والوئد في ثقافتنا العربية
هناك أسئلة تتصل بالمجلات الثقافية تستفز التفكير في بعض البديهيات المتداولة في الفضاء الإعلامي ويكثر تداولها بين المثقفين. سوف أعرج أيضاً على تجربة الأزمنة العربية من حيث هي مجلة ثقافية بامتياز رغم ما تعارف عنها كمطبوعة سياسية.
يرى البعض بأن المجلات الثقافية تواجه حالة وجودية تعلقها بين حافتي الاحتضار والمقاومة. لكن بعض التأمل سوف يكشف التباسات في هذه البديهيات علينا ألا نتحرج من مواجهتها.
هل حقا أن مجلاتنا الثقافية الآن أو في أي وقت مضى تواجه خطر الاحتضار؟
لو رصدنا هذه المطبوعات من جانب صدورها على مدى قرن ونصف لوجدنا فعلا ان عددا من المطبوعات لمع في سمائنا فترة من الوقت ثم انطفأ, في مصر وهي مركزنا الثقافي العتيد, وبغداد وبيروت والدوحة ودبي. لكن من الصعب أن نقفز إلى الإعلان بأننا إزاء مقابر لشواهد المجلات الثقافية الورقية. فهناك الكثير من هذه المطبوعات يصدر بانتظام عال, والاستثناء هو الاحتضار والتوقف عن الصدور. وتمثل مجموعة من الإصدارات الكويتية المنتظمة نموذجا لحال الاستمرار الطويل بالصدور دون إشكالية تذكر وعبر نظام توزيع يتيحها للقارئ العربي حيثما كان وبأسعار بمتناول يد الفقراء.
من الواضح أن الإعلام الثقافي الورقي يلقى رعاية كبيرة من مؤسسات حكومية وشبه حكومية وأهلية ومن التعجل إصدار الأحكام عن حال احتضار تعيشها المجلة الثقافية العربية.
لكن إذا لم يكن الأمر يتصل بالصدور, فهل حال الاحتضار يقصد بها العزوف عن قراءة المطبوعات الثقافية وعن حقيقة أن هذه المطبوعات كانت ذات أثر كبير في حياتنا العامة في الماضي فيما هي اليوم تعاني من تهميش في الدور مع بروز وسائط إعلامية جديدة منافسة في فضاء التلفزيون والعنكبوت العالمي الواسع. بيد أن تراجع قراءة المطبوعات وانحسار الدور المؤثر هما شيئان يصعب رصدهما نظرا لتعدد المنابر من جهة ولأن تحميل المطبوعات الورقية دورا في الحياة العامة هو شيء ظرفي ولا يتصل بوظيفة أصيلة لهذه المطبوعات في صميم العملية الثقافية الخالقة. حتى العزوف عن القراءة الذي يكثر الحديث عنه قد يكون ظاهرة مناطقية, فتناقص عدد القراء في ساحة معينة- الخليج على سبيل المثال- قد يعوضه زخم في ساحة أخرى: المغرب على وجه التأكيد. بمعنى آخر, من الصعب إطلاق تعميمات واضحة حول انحسار القراءة للمطبوعات الورقية بسبب تعقيد ساحة القراءة العربية من جهة, وإلى حقيقة أن عملية القراءة للمطبوعات الورقية نفسها لا ينبغي أن تعيش هاجسا كميا, فالثقافة بطبيعتها تنتج موادا تقتضي مستويات تعليمية عالية وتدريبا معينا على تذوق فنون متخصصة, ولا يجب أن نحاكم مثل هذه المطبوعات بكميات ما يطبع أو يقرأ منها.
التباس آخر في تثمين حال المطبوعات الورقية إضافة لما سبق ذكره يتمثل في تقاليدنا الثقافية القديمة. فنحن ومنذ فجر وعينا الثقافي في القصيدة السابقة لظهور الإسلام نستعذب الحنين للماضي متجسدا في الحزن على الأطلال والتوجع على الأيام الخوالي. وهذا ليس شيئا معيبا في حد ذاته, فلم لا نستذكر الماضي ولم لا نبكي غياب الراحلين, ولم لا نستحضر لحظات ما جميلة برقت في غابر الأيام؟ المشكلة تحدث بالطبع حين يطغى وعي الحزن على الأطلال على قدرتنا النقدية: أن نحاكم ما حدث في الماضي بشكل عقلاني أو إنساني- والأخطر حينما يتحول الحديث في الماضي إلى مصادرة شاملة لحاضرنا القائم ووعوده المقبلة.
من المهم ونحن نرصد حال الإعلام الثقافي الورقي ألا تصبح تجاربنا العظيمة سجونا لأبنائنا وأحفادنا نرغمهم على ولوجها والانحباس في جنباتها. من المهم أن نحترم حق كل جيل في صنع أدواته المناسبة لزمنه وذائقته الفنية ودون أن نفرض عليه نمطا معينا أثبتت كفاءته في زمن مضى لكن قد لا يكون قادرا على التعبير بكفاءة اليوم أو غدا عن حاجات وتطلعات أجيال جديدة. والأدوات الجديدة التي تظهر مع الإنترنت والوسائط المتعددة والسينما على سبيل المثال لا الحصر تحمل وعودا لتجاوز الماضي ولتشييد صروح ثقافية قد تكون أغنى بكثير من هياكلنا الموروثة.
إضافة لما سلف من التباسات هناك ايضا التباس يتصل بالميل لدينا للاهتمام بالعربة أكثر من الاهتمام براكبها. هي الحال ذاتها التي يجسدها الطفل الذي يصب اهتمامه ليس بالهدية التي اعطيت له بل بالعلبة التي غلفت فيها. الطفل الرابض داخل كل واحد فينا ربما يستحضر كيف أننا نقوم مثل كلاب الصيد بشم رائحة المجلات ونميز العربي الكويتية من الآداب اللبنانية من رائحة حبرهما وورقهما… هذه الطوطمية, او الاقتراب الحميمي من المجلات له جاذبيته وفتنته لكن الحقيقة التي كثيرا ما تفر من أمامنا هي أن المجلات ما هي إلا أبواب لدخول عوالم الخلق الأدبي حيث يتم إنتاج المعاني وتشكيل الأفكار ونسج الجمال. والاهتمام نتيجة ذلك لا يجب أن ينصب على المطبوعة من حيث هي مطبوعة بل عليها كحاضنة للخلق والابتكار الفنيين. السؤال المهم هنا هو تثمين المقدار الذي تنجح فيه المطبوعة في أن تكون مصنعا للأدب والثقافة. وهنا نأتي لمربط الفرس, إلى العصب الحائر في ثقافتنا العربية إلى السؤال: ما مدى مساهمة مطبوعاتنا الثقافية في صناعة ثقافتنا العربية وحدود وآفاق استيعابها للمبدع العربي.
لا أمتلك إحصائيات بيدي, لكننا جميعا بالتجربة المعاشة نكتشف أن مقابل كل أديب ينجح في الوصول إلى الشط هناك الكثيرون ممن لا يصلون أبدا: المبدع الذي لم يملك الأدوات المناسبة او المفاتيح الضرورية لصياغة رؤيته, الذي لم يلق الرعاية الضرورية في مدرسته أو بيته, أو الذي بكل بساطة بقي أميا, أو الذي تخطى كل الحواجز لينتهي مضطرا للعمل اليدوي ليعيل أسرته. هؤلاء الموءودون يمثلون العنصر الغامض في المعادلة الثقافية العربية. وقد لا يكون من العدل أن نحمل المطبوعة الثقافية العربية وزر الوئد المستمر للموهبة لكن على الأقل من المهم أن نتساءل عن دورها في مواجهته.
عندما أصدرنا الأزمنة العربية في مارس ١٩٧٩ كان هناك مشروع ملموس لمواجهة وئد الموهبة. انطلقنا بالتساؤل عن موقع المطبوعة الثقافية في تقاليد الكتابة السائدة, في حقيقة أن ما يكتب في كل المطبوعات وليس الثقافية فقط يكتب لأجل الكاتب وليس لأجل القارئ: نظام مقلوب تسود فيه الصفحات برغم أنف القارئ إرضاء للمكتوب عنه, في صفحات السياسة هي الحال نفسها كما في صفحات الرياضة, وفي صفحات الاقتصاد كما هو الحال في صفحات المجتمع: نظام علاقات عامة يلون الصفحات لتمجيد أحدهم ولإعلاء شأنه. في قلب هذا التحدي حاولت الأزمنة العربية التفلت من خيوط العلاقات العامة القائمة وصدقيتها في التعبير الحر عن نفسها.
ككل المطبوعات خصصنا في بداية الصدور صفحة لردود ومساهمات القراء, لكن بمرور الوقت لاحظنا أن المساحة المخصصة لهم لم تكن تكفي الطوفان المتزايد من الرسائل, وأن الكثير من هذه المساهمات كان ذو جودة عالية إلى الحد الذي يجعله يتفوق على مساهمات فريق التحرير المتفرغ. كانت الكتابات تكتسب في الغالب طابع الرأي في مختلف الشؤون, من السياسة إلى المجتمع إلى الرياضة. لكن نسبة ليست قليلة كانت تمارس لعبة الأدب والفن. كانت هناك مادة خصبة في النقد الأدبي وكان هناك الشعر والخاطرة والقصة. بالتدريج بدأنا نفتح أبوابا وزوايا جديدة لاستيعاب هذه الكتابات, وفي لحظة اكتشفنا أن المساهمات التي تأتي من القراء تخطت ثلثي صفحات المجلة. اتهمنا لاحقا أننا كنا بعملنا هذا نمارس هرطقة مهنية تخترق قواعد غير مكتوبة تحدد من هو القارئ ومن هو الكاتب. وتم انتقادنا بأننا ننشر الغث والمتهافت. لكننا صمدنا في وجه الطوفان الجديد لأننا مع بعض الغث كنا ننشر الكثير من السمين, بل أننا بدأنا نعيد تعريف ما هو غث وما هو سمين. والأهم أننا كنا نعيش ايقاع الطلق كل يوم مع ولادات جديدة لكتاب ورسامين ومصورين.
وظائف الأزمنة العربية المختلفة أخذت تغطيها العديد من المطبوعات, لكن للأسف إلى اليوم هناك القليل من يحتضن ويرعى كتاب الغد. فلا تزال صناعة الثقافة فعلا شيطانيا يأتي من لا مكان في ثقافتنا العربية. ورش الكتابة شبه معدومة, وتواصل الأجيال المبدعة التي اخترقت الحواجز بالأجيال الجديدة يكاد يكون معدوما. والغريب أنه في ظل هكذا حال فإن ثقافتنا العربية تواصل التجدد.
المعجزة المذهلة أنه برغم أن أرضنا بركانية حارقة فيما يتصل بالمبدعين والموهوبين إلا أنهم يواصلون الظهور برغم الشروط المستحيلة. كيف يمكن للمبدع أن يظهر في بيئتنا العربية؟ هذا هو السؤال اللغز الذي يتعين على أحد فك طلاسمه. لأنه إذا أحكمنا المنطق فلا يجب أن يظهر مبدع واحد, خصوصا أن تجربة الآداب والفنون عند باقي الأمم تجعلها صناعة معقدة وطويلة ترتبط فيها القدرات الفردية مع التنظيم الاجتماعي والتعليم العالي ومؤسسات النشر والإعلام المتخصصة وآليات التسويق إضافة لمؤسسات الرعاية والتمويل للبحث والإبداع. المذهل ليس أننا نمتلك مبدعين في غياب هذه العملية والتي تشكل البنية التحتية للإنتاج الفني والأدبي الحديث بل في حقيقة أننا نمتلك ازدهارا في ألوان مختلفة من الفنون متميزة للغاية, في الشعر والرواية بالذات.
*هذا المقال معدل عن مساهمة في ندوة أزمة المجلات الثقافية عقدها المركز الثقافي بعجمان في مطلع مارس الماضي.
|