أفكار
 محمد عبيد غباش  
  نبذة شخصية     حرية القول     الدولة الخليجية     من لا يعرف شيئاً فليكتب!     مقابلات  
     
   
 
بناء الاقتصاد وتدمير الأفراد


يؤثر عن شكسبير قوله في إحدى مسرحياته: “لا تكن دائناً أو مديناً”! وفي الأحاديث المتداولة بين الناس هناك تحذيرات كثيرة حول كراهية الديون والتشجيع على تجنبها. لكننا اليوم نواجه مفارقة غير مسبوقة؛ ففي كل أرجاء العالم هناك انتظار غير عادي وتمنٍّ بأن يعود عهد القروض السهلة وذات الفائدة القليلة، وصارت عافية كل اقتصاد تقاس بمدى قدرة المصارف على تجاوز مخاوفها وعودتها إلى تقديم القروض للشركات والأفراد.
ليس صعباً معرفة السبب وراء إعراض الجميع عن شكسبير ومن يجاريه في كره القروض، فكل التجار يتقنون حيلة فعالة لزيادة مبيعاتهم: أن يعفوا زبائنهم من الدفع نقداً لمشترياتهم على أن يقوموا بالدفع بعد فترة شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر وحتى أكثر من ذلك. وتقوم البطاقات الائتمانية بالضبط بتوفير هذه الخدمة للطرفين مقابل نسبة بسيطة يدفعها البائع أو المشتري أو الاثنان معاً لشركة بطاقات الائتمان.
حين يكون التعامل بين الشركات تبرز أدوات أكثر تنوعاً لتسهيل التجارة، ابتداء من خطاب الاعتماد الذي يسهل للشركات استيراد البضائع إلى خصم الشيكات المؤجلة التي تمكّن الشركات من تحصيل ديونها قبل موعد سدادها. وحتى الدول نفسها تبتكر وسائل مختلفة في فن الإقراض لتشجيع الصادرات. وكبرى المدن في العالم معتادة على تمويل برامجها الإنمائية أو بنيتها التحتية من خلال الصكوك التي تصدرها، وقليلة هي الدول التي لا تلجأ إلى إصدار الصكوك والسندات. وأهمية الديون العامة يمكن لمسها في الولايات المتحدة التي تقوم حكومتها الفيدرالية وحكومات الولايات المختلفة وكذلك كبرى المدن فيها بإصدار مختلف الصكوك والسندات والتي تبلغ قيمتها مجتمعة أكثر من الديون العامة في بقية دول العالم بأجمعها.
ينطلق الناس وهم يحذرون من الاقتراض من خبرات قديمة مرتبطة بالمراباة، وحديثاً من الضرر الذي يمكن أن يلحق بالإنسان عند العجز عن الوفاء والتي تصل إلى حد السجن. لكن الاقتصاد الحديث لم ينطلق إلا بتحرير القروض وتوفيرها للأفراد والشركات والحكومات التي تحتاج إليها.
كان الإنسان في الماضي ينتظر حتى يجمع قيمة بناء بيت قبل أن يبنيه، وقد يمتد ذلك سنوات طويلة. لكن الاقتصاديات الحديثة توفر للأفراد قروض السكن التي تمكنهم من الزواج مبكراً وإنشاء أسر لهم، وهي توفر للطلاب المال الذي يكفيهم لدفع مصروفات الدراسة على أن يتم تحصيلها بعد التحاقهم بالعمل. وبالطريقة نفسها لا تنتظر الدول والمقاطعات وكبرى المدن تجمّع الضرائب والمكوس في خزائنها لتبني بنيتها التحتية وتقيم المشروعات الحيوية، فتقترض من المصارف وتصدر الصكوك المالية.
انطلقت دبي مبكراً بالاقتراض لتمويل بنيتها التحتية، ويتذكر المخضرمون من المواطنين والمقيمين كيف تم تمويل جسر آل مكتوم في ستينيات القرن الماضي والذي كان العابرون يقومون بسداد رسوم استخدامه عند المرور عليه. وقد لجأت الإمارة إلى المصارف في فترات مختلفة لتمويل بناء البنية التحتية في السبعينيات والثمانينيات وكذلك لشراء طائرات طيران الإمارات عندما أنشئت في الثمانينيات. واستمر الحال نفسه في التسعينيات وحتى في فترة الطفرة التي انتهت قبل 8 أشهر.
لكن انهيار مصرف ليمان برذرز في سبتمبر الماضي وما تبعه من شلل جمّد الائتمان الدولي والمحلي عدة أشهر، وحينما بدأ الاقتراض يعود اتخذ شكلاً محدوداً وبفوائد مبالغ فيها. وقد تأثرت كبرى شركات دبي شبه الحكومية باختفاء الائتمان الدولي والذي تزامن مع انهيار سوق العقارات وتوقف أعداد كبيرة من المشترين للوحدات العقارية عن تسديد أقساطهم الشهرية. كل هذا حاصر الشركات العقارية المختلفة وخلق أزمة سيولة نقدية أدت إلى تأخير سداد دفعاتها للمقاولين والموردين. وقد جاء الحل بإعلان دبي عن إصدارها عشرين مليار دولار من الصكوك المالية والتي خصصت بالدرجة الأولى لتوفير احتياجات السيولة للشركات العقارية.
وقد قام المصرف المركزي بشراء نصف هذه الصكوك. كل هذا طبيعي ويفترض بالمصرف المركزي كمؤسسة اتحادية أن يقوم بمثل هذا الدور المالي حينما تتعطل آلية الاقتراض العادية في الأسواق المالية. لكن الشيء غير الطبيعي هو عملية التناول الإعلامي للعشرة مليارات دولار، خصوصاً الخليجي والعربي، وبدرجة أقل العالمي. فقد تم تهويل قيام دبي بالاقتراض وجرى تصوير قيام المصرف المركزي بشراء الصكوك وكأنه نوع من الإنقاذ لوضع منهار. ومن جانب آخر تم الحديث عن العشرة مليارات دولار وكأنها تريليون دولار.
المبالغات وسوء التقييم دفعت بكثيرين لفهم الاقتراض وكأنه حل لأزمة لا حل لها. هؤلاء الذين يصورون الأمور بشكل كارثي لا يقومون برصد الأخبار الاقتصادية بالدقة المطلوبة، وهم لا يربطون بينها بشكل مقنع. فبداية يجب التنويه بأن دبي أساساً قائمة على توظيف الائتمان بشكل كبير، وهذه ليست علامة ضعف بل هي علامة نضج اقتصادي، فما كان يمكن لدبي أن تقترض في الماضي لولا أن المصارف الدولية والمستثمرين يملكون الثقة بأن قروضهم ستعود إليهم مع فوائدها غير منقوصة. الاقتراض ـ كما أسلفنا ـ هو صفة الاقتصاد الحديث، ومن يعتقد أن الدول الحديثة تنفق على مشروعاتها نقداً يرتكب خطأ كبيراً. الفارق هذه المرة أن الاقتراض جاء محلياً ومن المصرف المركزي، وليس أن دبي كانت في الماضي لا تقترض وصارت الآن تقترض.
هذا عن طريقة الاقتراض، أما قيمته فقد تعرضت أيضاً لتحليلات مغلوطة، فالمبلغ صغير للغاية، ولو تابع هؤلاء الكتاب بعض الصفقات التي تمت في الفترة نفسها لعلموا أن شركة فايزر الدوائية على سبيل المثال اشترت شركة أدوية منافسة بمبلغ 68 مليار دولار؛ أي ما يعادل سبعة أضعاف صكوك دبي. وإذا أدركنا أن قيمة صفقة شراء شركة “بي أند أو” وشركة “سي أس أكس” للحاويات كّلف شركة موانئ دبي العالمية أكثر من 10 مليارات دولار يتعين ألا يبالغ المهوّلون في حجم القرض. لا شك في أن القرض مهم لأنه يوفر الملاءة لمجموعة من الشركات الاستراتيجية التي لم تستطع الاستفادة من الائتمان الدولي بسبب شلله. لكن موارد دبي كإمارة وموارد هذه الشركات نفسها تجعلها قادرة على سداد التزاماتها أضعافاً مضاعفة في السنوات الخمس المقبلة، التي تمثل فترة الصكوك.
وعلى صعيد آخر، فإن الحاجة ماسة إلى التعامل مع مفهوم الاقتراض بشكل مختلف عن التعامل الذي سارت عليه البلاد في العقود الأربعة الماضية. فتحرير الاقتراض وتيسيره ضرورة قصوى إن أردنا أن نبني اقتصاداً حديثاً ينقلنا من الاعتماد على ريع النفط. وبداية المعالجة تكمن في إلغاء القوانين المتصلة بالإعسار والتي تقذف بالناس في السجون، وهو ما يتطلب تطوير قوانين الشركات ذات المسؤولية المحدودة وقوانين الإفلاس ووقف المسؤولية المطلقة التي تنال المدينين. فهذه الممارسات لا تنتمي إلى أي اقتصاد حديث لأنها تدمّر الأفراد والمؤسسات حينما تكبو أو تتعثر في تقلبات الأسواق، وتجعل الاقتصاد يفقد خبرات قادرة على إغنائه بعد نهوض أصحابها من عثرتهم.

 
أضيفت بتاريخ   2009/5/24 4:48 PM    
 
  تعليقات القراء (13)

1- I think i've seen this somewhere before…but it's not bad at all

التعليق: بواسطة Derekp 2009/6/25 1:22 AM
 
2- Rather interesting. Has few times re-read for this purpose to remember. Thanks for interesting article. Waiting for trackback

التعليق: بواسطة derekpm 2009/7/12 6:16 PM
 
3- In truth, immediately i didn't understand the essence. But after re-reading all at once became clear.

التعليق: بواسطة John 2009/8/6 6:57 AM
 
4- Thank you! You often write very interesting articles. You improved my mood.

التعليق: بواسطة Mackeran 2009/8/8 12:30 AM
 
5- Very interesting and amusing subject. I read with great pleasure.

التعليق: بواسطة Peter 2009/8/18 4:03 AM
 
6- I really like your blog and i respect your work. I'll be a frequent visitor.

التعليق: بواسطة Ventego 2009/8/21 10:24 AM
 
7- Hmm... I read blogs on a similar topic, but i never visited your blog. I added it to favorites and i'll be your constant reader.

التعليق: بواسطة Brown 2009/11/2 4:35 AM
 
8- Hmm... I read blogs on a similar topic, but i never visited your blog. I added it to favorites and i'll be your constant reader.

التعليق: بواسطة Crasty 2009/11/16 3:24 AM
 
9- I've really enjoyed reading your articles. You obviously know what you are talking about! Your site is so easy to navigate too, I've bookmarked it in my favourites :-D

التعليق: بواسطة Fat Loss 4 Idiots 2009/11/16 3:40 PM
 
10- Very interesting and amusing subject. I read with great pleasure. propecia online

التعليق: بواسطة Kouba 2009/11/18 12:31 PM
 


[اقرأ بقية التعليقاتً]


أضف تعليقاً على هذه المادة

الاسم   *
 
البريد الألكتروني   *
 
الموقع الشخصي  
 
التعليق  
 
   
 
    ( * ) هذه العلامة تدل على ان بيانات الحقول مطلوبة

من الصدمة إلى الطرق الوعرة
حين يصاب إنسان موسر بالفقر في بغداد العباسية كان يقال إنه "أدركته حرفة الأدب",  »»
أضيفت بتاريخ   2009/5/3 12:00 PM    تعليقات

الفكاهة سوداء والبستان مظلم
قبل أيام سمعت حواراً أذيع في برنامج بوراشد الحواري الذي يبث يومياً من إذاعة  »»
أضيفت بتاريخ   2009/4/24 9:45 PM    تعليقات (2)

النيابة العامة: في الصندوق تفاحة فاسدة
أعلنت النيابة العامة في دبي، الأسبوع الماضي، تقديم  مجموعة من المتهمين إلى القضاء، وتراوحت التهم بين الاعتداء على الأموال  »»
أضيفت بتاريخ   2009/4/15 4:02 PM    تعليقات (8)

70×100_3.jpg الجائزة تصفع.. والكتاب يدهش
  حازت قبل أسبوعين رواية “عزازيل” للكاتب المصري يوسف زيدان جائزة بوكر العربية للرواية. هذه  »»
أضيفت بتاريخ   2009/4/8 3:48 PM    تعليقات

 
محطات الزامية.. بعد إطفاء الحرائق
تبدأ اليوم قمة العشرين في لندن ويعلّق كثيرون عليها الآمال لانتشال الإقتصاد العالمي من  »»
أضيفت بتاريخ   2009/4/5 11:09 AM    تعليقات (1)

السيد هيوم يريد عقوداً مؤقتة للمواطنين
قرأت صباح الثلاثاء الماضي خبر قيام  سموّ رئيس الوزراء بالتوجيه لدراسة نقص التوطين بالوزارات والجهات الحكومية ووضع  »»
أضيفت بتاريخ   2009/3/25 6:09 PM    تعليقات (1)

المصارف الإسلامية وخيّاط اسطنبول
يشهد القضاء التركي معركة ساخنة بين رجل دين وبين أحد الخياطين، فقد رفع خياط في مدينة اسطنبول فوق  »»
أضيفت بتاريخ   2009/3/18 6:32 PM    تعليقات (2)

هل يرسل أخي المليونير شيكاً كل شهر؟
هجوم آخر على تجربة دبي بنكهة مختلفة. قدّم الدكتور مشاري عبدالله النعيم، الأستاذ الجامعي السعودي بحثاً في الاجتماع  »»
أضيفت بتاريخ   2009/3/4 6:27 PM    تعليقات


   أرشيف المواد
   أعضاء اتحاد المدونين

إجراءات
 
 
ارتباطات

 
 
عدد الزوار